יום ראשון, 9 ביוני 2013

نهر اليركون في مفاهيم المسلمين القديمة 
بقلم : د.اشرف طلال ابو زرقة

نهر اليركون[1] او نهر العوجاء[2] هو من الانهر الدائمة الجريان في فلسطين وهو اهم نهر من حيث كمية المياه المتدفقة اليه بعد نهر الاردن[3] . من هذا المنطلق اهتمت الشعوب والحضارات المتنوعة في هذا النهر , ومنذ اقدم العصور, تبلورت مفاهيم اجتماعية تحدثنا عن هذا النهر عند العديد من الشعوب .في هذا المقال سأتحدث عن المفاهيم التي تبلورت عند المسلمين بخصوص هذا النهر . سأبين في هذا المقال كيف تغيرت هذه المفاهيم حسب الحوادث التاريخية ووفق الظروف الاجتماعية والسياسية التي كانت سائدة في فلسطين على مدار السنين .
في الفترة الاموية , اشتهر هذا النهر باسم نهر ابي فطرس. بالواقع اسم ابي فطرس ليس له أي علاقة بكنية شخص وليس له علاقة بالقديس المسيحي بطرس انما هو تحريف لاسم انتيباتروس الادومي(نسبة الى شعب سامي قديم) الذي كان والد الملك اليهودي هورودوس الذي حكم بلاد فلسطين  في الفترة الرومانية .لقد اقام هوردوس عند منابع نهر اليركون بالقرب من مدينة رأس العين الحالية مدينة سماها على اسم ابيه انتيباتروس تخليدا له[4]. قام الامويون بالاحتفاظ بالاسم الروماني مع تحريفه لاسم نهر ابي فطرس ليصبح اسما معربا وذلك مثل الكثير من اسماء الامكنة في فلسطين [5].  ظل هذا الاسم هو المتداول لهذا النهر في الفترة الاموية والعباسية .
كان اهتمام الامويين بنهر اليركون مبكرا ونجد العديد من الروايات التاريخية والدينية التي ترجع الى اعلام عاشوا في الفترة الاموية مثل كعب الاخبار[6] . تبرز هذه الروايات احيانا اهتمام حتى مؤسس الدولة الاموية , معاوية بن ابي سفيان,  بهذا النهر واهمية السكن بالقرب منه . ونجد في الفترة  الاموية المبكرة , بعض الروايات الدينية التي حاولت إعطاء القداسة الدينية لهذا النهر باعتباره معقلا من خطر الدجال والفتن , حيث جاء في احدى الروايات "َمَن ْأَرَادَ النَّجَاةَ مِنَ الدَّجَّالِ فَنَهَر ُأَبِي فُطْرُسٍ"[7] . كما اننا نرى بعض المفسرين والشيوخ في العهد الاموي يميلون الى اعتبار هذا النهر نهرا من انهار الجنة المقدسة والمذكورة في القران .هذا ما نجده عند المحدث والمفسر الاموي يحيى بن ابي عمرو الشيباني( توفي سنة 765)[8]الذي قام بتفسير نهر الجنتين الذي في هذه الاية" كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا ۚ وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا"[9],بانه نهر اليركون[10]
يبدو ان مثل هذه الروايات[11]  قد سرت الى النفوس وخاصة  مع استقرار الكثير من الامويين في منطقة حوض نهر اليركون , حيث  سكن العديد من النبلاء الامويين والقبائل العربية فيها وخاصة في مدينة الرملة وضواحيها بعد ان اتخذها الخليفة سليمان بن عبد الملك لتكون مقرا له .
ان تقديس هذا النهر وتصوير دوره في محاربة الفتن والفساد ادى الى انتشار معتقدات ومفاهيم دينية كثيرة عند عامة المسلمين في هذا العصر بخصوص وظيفة هذا النهر في اخر الزمان وقرب انتهاء البشرية. نجد انه يتم تصوير نهر اليركون بانه يلعب دورا هاما في وصف المعجزات والحيل الخارقة التي من المفروض ان يقوم بها الدجال من اجل اقناع الناس بالامتثال الى اوامره واتباعه.فجاء في بعض الروايات التي تصف الفارين من الحروب والملاحم في اخر الزمان.
" حَتَّى يَنْزِلُوا غَرْبِيَّ الْأُرْدُنِّ، عِنْدَ نَهَرِ أَبِي فُطْرُسٍ، يَنْطَوِي إِلَيْهِمْ كُلُّ فَارٍّ مِنَ الدَّجَّالِ، وَيُعَبِّئُونَ مَسْلَحَةً عِنْدَ الْمَنَارَةِ الَّتِي غَرْبِيَّ الْأُرْدُنِّ، وَيُقْبِلُ الدَّجَّالُ فَيَهْبِطُ مِنْ عَقَبَةِ أَفِيقَ، فَيَنْزِلُ شَرْقِيَّ الْأُرْدُنِّ، فَيَحْصُرُهُمْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَيَأْمُرُ نَهَرَ أَبِي فُطْرُسٍ فَيَسِيلُ إِلَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعْ فَيَرْجِعْ إِلَى مَكَانِهِ، وَيَقُولُ: أَيْبِسْ فَيَيْبَسْ"[12]  .
يظهر ان هذه الرواية التي اعطت نهر اليركون مكانة خاصة في الامتثال لاوامر الدجال , لم تنل اعجاب هؤلاء الذين يؤمنون بدور هذا النهر في صد الفساد والظلم .فعند هؤلاء يتم تصوير نهر اليركون بانه يمثل المكان الذي ينصر فيه المستضعف ويتم احقاق العدل عنده . فالدجال الذي يرمز للفساد وللظلم لا يمكن قهره الا عند هذا النهر الذي سيظهر عنده السيد المسيح ليعيد السلام ويزيل الظلم والفساد :
"أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، يَقْتُلُ الدَّجَّالَ عَلَى تَلِّ الْمَلَاحِمِ، وَهُوَ نَهَرُ أَبِي فُطْرُسٍ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ"[13] .
في الحقيقة لم تفلح هذه الروايات التي اعطت هذه القدسية لهذا النهر في انقاذ الامويين من مصيرهم المشؤوم عنده .فيظهر ان حبهم السكنى عند ضفافه وفي حوضه وبناء القلاع والتحصينات عنده وايمان بعضهم بمثل هذه الروايات  التي اعطته هذه الوظيفة عند المخاطر , جعلت الكثير من الامويين الذين فروا من بطش العباسيين , يتجمعون عند ضفافه املين بنجاتهم في اواخر معاقلهم الحصينة في فلسطين  . عند ضفاف نهر اليركون,  ارتكب العباسيون مجزرة , تعتبر من ابشع المجازر  الجماعية  بحق الامويين , حيث قام القائد العباسي صالح بن علي بتتبع بقايا الامويين للفتك بهم حتى وصل الى مشارف نهر اليركون  :
" فَإِنَّهُ نَزَلَ عَلَى نَهْرِ أَبِي فُطْرُسٍ وَقَتَلَ هُنَاكَ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ خَاصَّةً اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ نَفْسًا صَبْرًا[14].
وبسبب هذه المجزرة ضد الامويين عند ضفاف النهر نجد ان نهر ابي فطرس تحول الى نهر الحزن والرثاء لانصار بني امية ومواليهم: فقال مولاهم عبد الله البعلي يرثيهم:
وبالزابِيَيْن نفوسٌ ثوت، ...... وأخرى بنهر أبي فُطرُس
أولئك قوم أناخت بهم ... ..........نوائب من زمن متعس[15]
اما في الفترة العباسية , فنجد انه طرأ تغيير لمفهوم هذا النهر عند بعض الادباء والشعراء العباسيين الذين تأثروا بمعتقدات دينية محلية في العراق وحاولوا ربطها مع نهر اليركون .نجد ان بعضهم فضل ذكر اسم نهر اليركون بنهر فطرس دون اضافة الكنية ليصبح نهر فطرس وذلك لربطه بمعتقدات دينية محلية منتشرة في العراق.هذا ما نجده عند الشاعر المشهور ابي نواس الذي قال في هذا الشأن :
وأصبحن قد فوّزن عن نهر فطرس ...................... وهنّ من البيت المقدس زور
طوالب بالركبان غزّة هاشم ............................... وبالفَرَما من حاجهنّ شقور[16]
يظهر ان ذكر نهر فطرس دون ذكر الكنية لم يأت من فراغ وانما له علاقة بالارث الشيعي الموجود عند ابي نواس .فالاسم فطرس دون اضافة الكنية هو اسم  ملاك مشهور عند الشيعة وقصصه مع علي بن ابي طالب كانت متداولة ومعروفة عند الشيعة في جنوب العراق وفارس[17] , المكان الذي ترعرع فيه الشاعر المشهور . يبدو ان الشاعر ابي نواس المشهور بحبه للإرث الشيعي [18], سعى الى ربط هذا النهر بالملاك فطرس الذائع صيته عند شرائح المجتمع العراقي في فترته .
في فترة متأخرة اكثر نجد  ان نهر ابي فطرس الذي كان عند اوائل العباسيين رمزا للنصر على الامويين وبداية الحكم العباسي على فلسطين, قد تحول الى رمزا لنهاية الحكم العباسي في فلسطين وخصوصا بعد ان قام ابن مؤسس الدولة الطولونية في مصر , القائد خمارويه بن احمد بن طولون في هزيمة ساحقة للجيش العباسي بقيادة المعتضد وذلك على الضفة الغربية منه في وقعة الطواحين[19]  .وشاءت الصدف التاريخية بان يكون هذا النهر مسرحا حربيا لاهم المعارك الحاسمة التي جرت لاحتلال فلسطين من قبل السلالة الفاطمية في مصر.فعند الجهة الغربية من هذا النهر اوقع العزيز الفاطمي بخصومه  من الاتراك وفي الجهة الغربية من هذا النهر اوقع القائد الفاطمي المصري فضل بن صالح بزعيم الدولة الحمدانية في سوريا وارداه قتيلا[20].
هذه الانتصارات المتتابعة في الجهة الغربية لهذا النهر , ادت في النهاية الى ولادة اعتقاد جديد لهذا النهر وهو الايمان بان الجيش الذي يكون دوما في الجهة الغربية من ضفة النهر سيكون النصر دائما حليفا له[21]. ونرى ان هذه الاعتقادات بشأن مكانة هذا النهر كانت شائعة في الفترة الايوبية[22] وطيلة الفترة المملوكية[23] .
اما في أواخر الفترة العثمانية ومع اشتداد ظاهرة الفساد والظلم, نرى البعض ممن عاش في هذه الفترة , يستغل اعوجاج نهر اليركون والتفافاته العديدة من اجل اتخاذه رمزا لاعوجاج الناس وفساد اهل الزمان لابتعادهم عن الصدق في القول والعمل وتبنيهم طرق ملتوية لتحقيق اهدافهم غير مشروعة . الرحالة السوري الشهير الشيخ عبد الغني النابلسي يستغل ضفته وجنانه الخضراء للراحة بعد عناء السفر ويتهكم بلغة ساخرة:
"هذا زمان اهله غالبا ......تعوجوا  عن واضح المنهج
حتى من الانهار عوجاء.... في ارض فلسطين لمستنهج"[24]
وشاءت الاقدار بان ضفة  نهر اليركون , نهر ابي فطرس , نهر العوجاء , ان تكون هي نفسها ايضا المسرح الاخير لاهم المعارك الحاسمة للدولة العثمانية في فلسطين .فالاتراك العثمانيون عسكروا بجيوشهم عند ضفة النهر وامنوا بان النصر سيكون لهم حليفا.كما اننا نرى ان البريطانيين قاموا باختيار الجهة الغربية منه لتكون جهة الهجوم فحالفهم الحظ وانتصروا على العثمانيين لينتهي الحكم العثماني في فلسطين [25] وكأنها جاءت لتصديق المقولة القديمة بان النصر يكون دوما حليفا لمن يكون في الجهة الغربية من النهر.





[1]كلمة كنعانية معناها " المياه الصفرة" , مصطفى الدباغ , بلادنا فلسطين ,كفر قرع : دار الهدى , 1991, جزء 1, القسم الاول ,  ص 30 .يبدو بسبب احتواء النهر على مواد كبريتية .
[2]تأنيث لكلمة الاعوج بسبب اعوجاج النهر في عدة مواضع
[3]الدباغ-بلادنا فلسطين, جزء 1, القسم الاول , ص,  ص 30
[4]الدباغ-بلادنا فلسطين, جزء 1, القسم الاول , ص 31
[5]من الاسماء الاخرى , نابلس وهو تحريف لكلمة نيئوبوليس التي تعني المدينة الجديدة , وطبرية وهي تحريف لاسم الامبراطور الروماني طبارينوس قيصر .
[6]اصله من يهود اليمن .عاش في زمن عمربن الخطاب .اسلم بعد وفاة النبي محمد .يعتبر من ابرز الذين يحدثون الإسرائيليات .الذهبي-سير اعلام النبلاء , جزء 3, ص 489
[7]نعيم بن حماد , الفتن , القاهرة: مكتبة التوحيد , 1412 ه , ص 253
[8]هوابن عم الفقيه عبد الرحمن الاوزاعي مؤسس المذهب الاوزاعي في سوريا  .اصله من قبيلة شيبان التي تتبع الى سلالة حمير في اليمن .المزي-تهذيب الكمال , جزء 31 , ص 480
[9]سورة الكهف , اية 33
[10]شهاب الدين الالوسي, روح المعاني في تفسير القران العظيم والسبع المثاني, بيروت : دار الكتب العلمية, 1415 ھ,  ج 15 ص 274, جلال الدين السيوطي , الدر المنثور بالتفسير بالمأثور, بيروت : دار الفكر,  ج 5 , ص 390
[11]نعيم بن حماد-الفتن, جزء 2, ص 563
[12] نعيم بن حماد-الفتن, جزء 2, ص 541
[13] نعيم بن حماد-الفتن, جزء 2, ص 560
[14] الذهبي –ج8 ص 230, الطبري ج 7 ص 440, ابن الاثير ج 5 ص 24
[15]محمد المرتضى الزبيدي, تاج العروس,القاهرة : دار الهداية ,  جزء 16, ص 337
[16]المرتضى الزبيدي-تاج العروس, جزء 16, ص 336
[17]من هذه القصص , قصة نزول الملاك فطرس ليبشر بولادة الحسين بن علي بن ابي طالب .محمد بن الحسن الصفار , بصائر الدرجات, طهران : مطبعة الاحمدي, 1404ه ,جزء 2,  ص88
[18]عفيف النابلسي, الامام علي الرضا عرض وتحليل , مركز الابحاث العقائدية(للشيعة في العراق), http://www.aqaed.com/ahlulbait/books/i-reza-derase/16.htm
[19]ابن الاثير-التاريخ, ج 6 , ص 433
[20]الحسن بن احمد المهلبي العزيزي, كتاب العزيزي(المسالك والممالك), ص 21
[21]المهلبي-كتاب العزيزي, ص 21
[22]بهاء الدين ابن شداد , النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية, القاهرة : مكتبة الخانجي, 1994,  ص 277
[23]احمد بن علي القلقشندي, صبح الاعشى في صناعة الانشاء, بيروت : دار الكتب العلمية, جزء 4, ص 85
[24]عبد الغني-الرحلة , ص 411
[25]موقع يديعوت احرونوت في الانترنت , http://www.ynet.co.il/articles/0,7340,L-4329844,00.html
أهمية عين سلوان في القدس في التراث الإسلامي
د.اشرف طلال أبو زرقة


تعتبر عين سلوان الموجودة في القدس احدى اهم العيون والمعالم المقدسية التي تم إهمالها في عصرنا الحديث, وذلك بالرغم من أهميتها التاريخية والدينية للمسلمين .فالعين  كانت من أعظم العيون شهرة بالعالم الإسلامي .نجد ان ماءها كان يقارن مع ماء زمزم بمكة لجودته وصفائه وكونه وصفة طبية للعلاج من الأمراض .في هذا المقال سأتحدث عن اهم مفاهيم المسلمين التي كانت سائدة نحو هذه العين خلال الفترات الاسلامية المتنوعة, وكيف تغيرت هذه المفاهيم وفق اعراف وعادات الناس التي تغيرت وفق الزمان والمكان .
يبدو ان اهتمام المسلمين بهذه العين بدأ بفترة مبكرة جدا في التاريخ الاسلامي وخصوصا في الفترة الاموية . ففي هذه الفترة اهتم الامويون بالقدس وابرزوا معالمها الدينية والسياسية . وبسبب كون عين سلوان من مصادر المياه الاساسية لمنطقة المسجد الاقصى ودار الامارة فانه كان اهتمام بهذه العين للشرب وحتى لسقاية البساتين التي كانت حولها . كما انه بسبب اهمية هذه العين فطن الكثير من المفسرين والمؤرخين المسلمين الى ضرورة توثيق هذه العين بالذاكرة الاسلامية والانسانية .لم يقتصر عمل هؤلاء المؤرخين فقط على ابراز اهمية هذه العين بالتراث الاسلامي , بل وصل بهم الامر الى توثيق ماضيها القديم سالكين سبل المنهج العلمي الدقيق , وكشف العادات والقوانين القديمة التي كانت سائدة في فلسطين في العصور القديمة حول هذه العين  . من ابرزها كان التحكيم المحني وهو التحكيم الذي سعى الى اثبات التهمة او اثبات البراءة من خلال الماء او النار.فمثلا كان شائعا عند بعض الشعوب الاوروبية , تغطيس المتهم بماء , فان طفا المتهم فيعتبر علامة على انه شخص مذنب وذلك للايمان الذي كان شائعا بان الماء الطاهر لا يقبل الا الطاهرين[1] .  بشكل ملفت للنظر نجد ان هذا التحكيم قد شاع ايضا في فلسطين وفي عين سلوان على وجه الخصوص , وهذا ما يدل على تقديس هذه العين من قبل الفلسطينيين منذ اقدم العصور . بعض هذه الروايات القديمة تم الحفاظ عليها من قبل المؤرخين المسلمين واصبحت جزءا لا يتجزء من التراث الإسلامي . فقد رأى الفقيه والمفسر الاموي سعيد بن عبد العزيز (709-783) [2] ان هذا التحكيم كان موجودا بالعصور القديمة واستمر في عصر سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام وأمه مريم . ويسرد لنا رواية عن هذا التحكيم وعلاقته بسيدتنا مريم وفي هذا يقول:

" كان في زمان بني إسرائيل في بيت المقدس عند عين سلوان عين
    فكانت المرأة إذا قاذفت(تم اتهامها بالزنا) أتوا بها فشربت منها ,
فان كانت بريئة لم يضرها ,وان كانت نطفة(مذنبة) ماتت فلما حبلت
مريم حملوها فشربت منها فلم تزدد إلا خيرا فدعت الله إن
لا يفضح بها امرأة مؤمنة ففارت العين"[3] .

ففي هذه الرواية يتضح لنا مفهومان اثنان تجاه هذه العين . المفهوم الاول هو قدسية هذه العين عند سكان المكان منذ زمان بعيد وارتباطها بالتحكيم المحني. اما المفهوم الثاني فهو ارتباط هذه العين بشخصيات دينية معتبرة عند ابناء الديانات السماوية الثلاث .فذكر بني اسرائيل يذكرنا بقوم موسى وذكر مريم يذكرنا بقوم عيسى وذكر القومين معا يذكرنا بالديانة  الاسلامية . ففي هذا الزمن اعتبرت قداسة هذه العين عند ابناء الديانات الإبراهيمية الثلاث واتى المفهوم الاسلامي ليدمج المفاهيم الإبراهيمية معا , وهذا ما ميز الفترة الاموية التي شاع فيها هذا المفهوم المتسامح تجاه عين سلوان .
يبدو ان هذا المفهوم بدأ بالتغير بالفترة العباسية وخصوصا مع اشتداد التيارات الدينية التي حاولت ربط عين سلوان بالروايات الاسلامية المتعلقة بمكة المكرمة وابعادها عن التراث الموحد للديانات السماوية الثلاث وذلك بالرغم من دراية العديد من المسلمين بهذا العصر بغرض هذه الروايات الهادف الى اعلاء مكانة عين سلوان .فنجد مثلا المحدث العباسي عبد الوهاب بن الضحاك(توفي سنة 859)[4], انه نقل قولا لإسماعيل بن عياش(726-797) الذي عرف باسم محدث الشام[5] بان زمزم من الجنة وعين سلوان من الجنة[6].فمجرد المقارنة مع زمزم  يوحي لنا مدى المكانة التي وصلت اليها هذه العين بالتراث الاسلامي وكم كانت هناك محاولة لابراز هذه القدسية وابراز عين سلوان كمزار ومعلم أساسي للسياح والمصلين وللمسلمين في كافة انحاء المعمورة . وقد ساهمت هذه الروايات بشان عين سلوان خصوصا مع تحرير القدس سنة 1187 ورغبة الدولة الاسلامية وفقهاء المسلمين في ترغيب المسلمين بزيارة القدس وضواحيها ومعالمها وخصوصا عين سلوان, حيث تم إبرازها كمعلم سياحي وديني في آن واحد .هذه النظرة كانت موجودة ايضا حتى عند فقهاء المذهب الحنبلي الذي عرف عنه باعتماده على الحديث . فنجد  الفقيه الحنبلي عبد الرحمن بن علي ابن الجوزي(1116-1201)[7] ,يرى  إن عين سلوان , هي من المواقع المقدسة التي يستحب زيارتها ويستحب السباحة فيها لما جاء في الحديث أنها من الجنة [8].
اما في فترة متأخرة أكثر وخصوصا مع اشتداد الحركات الصوفية في الفترة العثمانية فإننا نجد انه ترسخ كثير من الاعتقادات التي أعطت لعين سلوان الكثير من القداسة والهالة ولم تعطها فقط مكانة مساوية لماء زمزم , بل اعطتها قداسة خاصة ترتبط باوقات الصلاة والاتصال مع فاطر السموات والارض .فالمفهوم الجديد هنا ان العين لا تجري الا عند اوقات الصلاة وتنحبس هذه العين عند انقضاء هذه الاوقات. هذا ما نجده عند الرحالة والسفير المغربي من قبل سلطان المغرب ابن عثمان المكناسي[9] الذي زار القدس سنة  1788[10], حيث قال : 
" ان عين سلوان لا تجري غالبا إلا عند أوقات الصلاة
وتحبس فيما عدا ذالك .ونحن عندما وصلنا إليها وجدنا ماءها منحبسا ,
وعند  وصولنا  خرج ماؤها وجرى على وجه الأرض في مصاريفه فشربنا منه
فاذا ماؤها أشبه شيء بماء زمزم وهذا عند أهل البلد معروف
وقد اخبرونا قبل رؤيتنا له فلما شربناه وجدناه كما قيل"[11].
يبدو ان هذا المفهوم الجديد اتى بعد نقصان تدفق العين نتيجة مواسم الجفاف وشح الامطار واتى ليعطي لنا تفسيرا مقدسيا دينيا كان شائعا في هذه الفترة بخصوص هذا الشح . من هنا نرى انه حتى في مواسم الجفاف سعى المقدسيون الى اعطاء الصبغة الدينية لعينهم المشهورة وجعلها جزءا من روايات التراث الإسلامي العالمي.



[1] عطا الله قبطي , العصور الوسطى الاوروبية والحملات الصليبية , الناصرة , 1986, ص 22
[2] لقب باسم مفتي دمشق .انتمى الى قبيلة تنوخ ونشا في مدينة دمشق . محمد بن احمد الذهبي-سير إعلام النبلاء , بيروت : مؤسسة الرسالة , 1983, , جزء 8, ص 32 (الذهبي-سير اعلام النبلاء) .هناك من اعتبره كمنشا لمذهب فقهي مستقل في سوريا الذي نافس الاوزاعي ومالك بن انس . الذهبي-سير اعلام النبلاء , جزء 8, ص 34 عرف عنه بتاييده للحكم الاموي حيث نقل العديد من الاحاديث التي اعطت الشرعية للخلفاء الامويون وصورتهم كخلفاء مهديين .الذهبي-سير اعلام النبلاء , جزء 8, ص 37
[3] عبد الرحمن ابن الجوزي , فضائل القدس, بيروت : دار الافاق الجديدة , 1980, ص 98,(ابن الجوزي-فضائل القدس), المشرف بن المرجى المقدسي , فضائل بيت المقدس والخليل وفضائل الشام , شفاعمرو: مطبعة المشرق , 1995, ص 250 ,(المشرف بن المرجى-فضائل بيت المقدس)
[4] محدث اصله من مدينة السلمية في نواحي حمص ., جزء 18 , جمال الدين ابي الحجاج يوسف المزي  ,تهذيب الكمال في اسماء الرجال ,بيروت : مؤسسة الرسالة, 1987,  ص 494 (المزي-تهذيب الكمال)
[5] الذهبي-سير اعلام النبلاء , جزء 8, ص 327
[6] المشرف بن المرجى-فضائل بيت المقدس , ص 249
[7] فقيه ومفسر ومؤرخ حنبلي عاش في بغداد .كحالة –معجم المؤلفين , جزء 5, ص 157.ربطته علاقات وثيقة مع السلاطين الذين حاولوا استعادة اراضي الشام من الصليبيين وخصوصا نور الدين زنكي. ابن الجوزي-فضائل القدس, ص 35-36
[8] ابن الجوزي-فضائل القدس, ص 97-98
[9] كان ابيه من ابرز الفقهاء المالكيين في مدينة مكناس في المغرب في هذا العصر. ابن عثمان , رحلة ابن عثمان , عبد الهادي التازي (محقق), القدس والخليل في الرحلات المغربية , منشورات المنظمة الاسلامية للتربية والعلوم الثقافية , 1997 , ص 25 (ابن عثمان-رحلة ابن عثمان )
[10] ابن عثمان-رحلة ابن عثمان , ص 25

[11] ابن عثمان-رحلة ابن عثمان , ص 65