יום ראשון, 9 ביוני 2013

نهر اليركون في مفاهيم المسلمين القديمة 
بقلم : د.اشرف طلال ابو زرقة

نهر اليركون[1] او نهر العوجاء[2] هو من الانهر الدائمة الجريان في فلسطين وهو اهم نهر من حيث كمية المياه المتدفقة اليه بعد نهر الاردن[3] . من هذا المنطلق اهتمت الشعوب والحضارات المتنوعة في هذا النهر , ومنذ اقدم العصور, تبلورت مفاهيم اجتماعية تحدثنا عن هذا النهر عند العديد من الشعوب .في هذا المقال سأتحدث عن المفاهيم التي تبلورت عند المسلمين بخصوص هذا النهر . سأبين في هذا المقال كيف تغيرت هذه المفاهيم حسب الحوادث التاريخية ووفق الظروف الاجتماعية والسياسية التي كانت سائدة في فلسطين على مدار السنين .
في الفترة الاموية , اشتهر هذا النهر باسم نهر ابي فطرس. بالواقع اسم ابي فطرس ليس له أي علاقة بكنية شخص وليس له علاقة بالقديس المسيحي بطرس انما هو تحريف لاسم انتيباتروس الادومي(نسبة الى شعب سامي قديم) الذي كان والد الملك اليهودي هورودوس الذي حكم بلاد فلسطين  في الفترة الرومانية .لقد اقام هوردوس عند منابع نهر اليركون بالقرب من مدينة رأس العين الحالية مدينة سماها على اسم ابيه انتيباتروس تخليدا له[4]. قام الامويون بالاحتفاظ بالاسم الروماني مع تحريفه لاسم نهر ابي فطرس ليصبح اسما معربا وذلك مثل الكثير من اسماء الامكنة في فلسطين [5].  ظل هذا الاسم هو المتداول لهذا النهر في الفترة الاموية والعباسية .
كان اهتمام الامويين بنهر اليركون مبكرا ونجد العديد من الروايات التاريخية والدينية التي ترجع الى اعلام عاشوا في الفترة الاموية مثل كعب الاخبار[6] . تبرز هذه الروايات احيانا اهتمام حتى مؤسس الدولة الاموية , معاوية بن ابي سفيان,  بهذا النهر واهمية السكن بالقرب منه . ونجد في الفترة  الاموية المبكرة , بعض الروايات الدينية التي حاولت إعطاء القداسة الدينية لهذا النهر باعتباره معقلا من خطر الدجال والفتن , حيث جاء في احدى الروايات "َمَن ْأَرَادَ النَّجَاةَ مِنَ الدَّجَّالِ فَنَهَر ُأَبِي فُطْرُسٍ"[7] . كما اننا نرى بعض المفسرين والشيوخ في العهد الاموي يميلون الى اعتبار هذا النهر نهرا من انهار الجنة المقدسة والمذكورة في القران .هذا ما نجده عند المحدث والمفسر الاموي يحيى بن ابي عمرو الشيباني( توفي سنة 765)[8]الذي قام بتفسير نهر الجنتين الذي في هذه الاية" كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا ۚ وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا"[9],بانه نهر اليركون[10]
يبدو ان مثل هذه الروايات[11]  قد سرت الى النفوس وخاصة  مع استقرار الكثير من الامويين في منطقة حوض نهر اليركون , حيث  سكن العديد من النبلاء الامويين والقبائل العربية فيها وخاصة في مدينة الرملة وضواحيها بعد ان اتخذها الخليفة سليمان بن عبد الملك لتكون مقرا له .
ان تقديس هذا النهر وتصوير دوره في محاربة الفتن والفساد ادى الى انتشار معتقدات ومفاهيم دينية كثيرة عند عامة المسلمين في هذا العصر بخصوص وظيفة هذا النهر في اخر الزمان وقرب انتهاء البشرية. نجد انه يتم تصوير نهر اليركون بانه يلعب دورا هاما في وصف المعجزات والحيل الخارقة التي من المفروض ان يقوم بها الدجال من اجل اقناع الناس بالامتثال الى اوامره واتباعه.فجاء في بعض الروايات التي تصف الفارين من الحروب والملاحم في اخر الزمان.
" حَتَّى يَنْزِلُوا غَرْبِيَّ الْأُرْدُنِّ، عِنْدَ نَهَرِ أَبِي فُطْرُسٍ، يَنْطَوِي إِلَيْهِمْ كُلُّ فَارٍّ مِنَ الدَّجَّالِ، وَيُعَبِّئُونَ مَسْلَحَةً عِنْدَ الْمَنَارَةِ الَّتِي غَرْبِيَّ الْأُرْدُنِّ، وَيُقْبِلُ الدَّجَّالُ فَيَهْبِطُ مِنْ عَقَبَةِ أَفِيقَ، فَيَنْزِلُ شَرْقِيَّ الْأُرْدُنِّ، فَيَحْصُرُهُمْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَيَأْمُرُ نَهَرَ أَبِي فُطْرُسٍ فَيَسِيلُ إِلَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعْ فَيَرْجِعْ إِلَى مَكَانِهِ، وَيَقُولُ: أَيْبِسْ فَيَيْبَسْ"[12]  .
يظهر ان هذه الرواية التي اعطت نهر اليركون مكانة خاصة في الامتثال لاوامر الدجال , لم تنل اعجاب هؤلاء الذين يؤمنون بدور هذا النهر في صد الفساد والظلم .فعند هؤلاء يتم تصوير نهر اليركون بانه يمثل المكان الذي ينصر فيه المستضعف ويتم احقاق العدل عنده . فالدجال الذي يرمز للفساد وللظلم لا يمكن قهره الا عند هذا النهر الذي سيظهر عنده السيد المسيح ليعيد السلام ويزيل الظلم والفساد :
"أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، يَقْتُلُ الدَّجَّالَ عَلَى تَلِّ الْمَلَاحِمِ، وَهُوَ نَهَرُ أَبِي فُطْرُسٍ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ"[13] .
في الحقيقة لم تفلح هذه الروايات التي اعطت هذه القدسية لهذا النهر في انقاذ الامويين من مصيرهم المشؤوم عنده .فيظهر ان حبهم السكنى عند ضفافه وفي حوضه وبناء القلاع والتحصينات عنده وايمان بعضهم بمثل هذه الروايات  التي اعطته هذه الوظيفة عند المخاطر , جعلت الكثير من الامويين الذين فروا من بطش العباسيين , يتجمعون عند ضفافه املين بنجاتهم في اواخر معاقلهم الحصينة في فلسطين  . عند ضفاف نهر اليركون,  ارتكب العباسيون مجزرة , تعتبر من ابشع المجازر  الجماعية  بحق الامويين , حيث قام القائد العباسي صالح بن علي بتتبع بقايا الامويين للفتك بهم حتى وصل الى مشارف نهر اليركون  :
" فَإِنَّهُ نَزَلَ عَلَى نَهْرِ أَبِي فُطْرُسٍ وَقَتَلَ هُنَاكَ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ خَاصَّةً اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ نَفْسًا صَبْرًا[14].
وبسبب هذه المجزرة ضد الامويين عند ضفاف النهر نجد ان نهر ابي فطرس تحول الى نهر الحزن والرثاء لانصار بني امية ومواليهم: فقال مولاهم عبد الله البعلي يرثيهم:
وبالزابِيَيْن نفوسٌ ثوت، ...... وأخرى بنهر أبي فُطرُس
أولئك قوم أناخت بهم ... ..........نوائب من زمن متعس[15]
اما في الفترة العباسية , فنجد انه طرأ تغيير لمفهوم هذا النهر عند بعض الادباء والشعراء العباسيين الذين تأثروا بمعتقدات دينية محلية في العراق وحاولوا ربطها مع نهر اليركون .نجد ان بعضهم فضل ذكر اسم نهر اليركون بنهر فطرس دون اضافة الكنية ليصبح نهر فطرس وذلك لربطه بمعتقدات دينية محلية منتشرة في العراق.هذا ما نجده عند الشاعر المشهور ابي نواس الذي قال في هذا الشأن :
وأصبحن قد فوّزن عن نهر فطرس ...................... وهنّ من البيت المقدس زور
طوالب بالركبان غزّة هاشم ............................... وبالفَرَما من حاجهنّ شقور[16]
يظهر ان ذكر نهر فطرس دون ذكر الكنية لم يأت من فراغ وانما له علاقة بالارث الشيعي الموجود عند ابي نواس .فالاسم فطرس دون اضافة الكنية هو اسم  ملاك مشهور عند الشيعة وقصصه مع علي بن ابي طالب كانت متداولة ومعروفة عند الشيعة في جنوب العراق وفارس[17] , المكان الذي ترعرع فيه الشاعر المشهور . يبدو ان الشاعر ابي نواس المشهور بحبه للإرث الشيعي [18], سعى الى ربط هذا النهر بالملاك فطرس الذائع صيته عند شرائح المجتمع العراقي في فترته .
في فترة متأخرة اكثر نجد  ان نهر ابي فطرس الذي كان عند اوائل العباسيين رمزا للنصر على الامويين وبداية الحكم العباسي على فلسطين, قد تحول الى رمزا لنهاية الحكم العباسي في فلسطين وخصوصا بعد ان قام ابن مؤسس الدولة الطولونية في مصر , القائد خمارويه بن احمد بن طولون في هزيمة ساحقة للجيش العباسي بقيادة المعتضد وذلك على الضفة الغربية منه في وقعة الطواحين[19]  .وشاءت الصدف التاريخية بان يكون هذا النهر مسرحا حربيا لاهم المعارك الحاسمة التي جرت لاحتلال فلسطين من قبل السلالة الفاطمية في مصر.فعند الجهة الغربية من هذا النهر اوقع العزيز الفاطمي بخصومه  من الاتراك وفي الجهة الغربية من هذا النهر اوقع القائد الفاطمي المصري فضل بن صالح بزعيم الدولة الحمدانية في سوريا وارداه قتيلا[20].
هذه الانتصارات المتتابعة في الجهة الغربية لهذا النهر , ادت في النهاية الى ولادة اعتقاد جديد لهذا النهر وهو الايمان بان الجيش الذي يكون دوما في الجهة الغربية من ضفة النهر سيكون النصر دائما حليفا له[21]. ونرى ان هذه الاعتقادات بشأن مكانة هذا النهر كانت شائعة في الفترة الايوبية[22] وطيلة الفترة المملوكية[23] .
اما في أواخر الفترة العثمانية ومع اشتداد ظاهرة الفساد والظلم, نرى البعض ممن عاش في هذه الفترة , يستغل اعوجاج نهر اليركون والتفافاته العديدة من اجل اتخاذه رمزا لاعوجاج الناس وفساد اهل الزمان لابتعادهم عن الصدق في القول والعمل وتبنيهم طرق ملتوية لتحقيق اهدافهم غير مشروعة . الرحالة السوري الشهير الشيخ عبد الغني النابلسي يستغل ضفته وجنانه الخضراء للراحة بعد عناء السفر ويتهكم بلغة ساخرة:
"هذا زمان اهله غالبا ......تعوجوا  عن واضح المنهج
حتى من الانهار عوجاء.... في ارض فلسطين لمستنهج"[24]
وشاءت الاقدار بان ضفة  نهر اليركون , نهر ابي فطرس , نهر العوجاء , ان تكون هي نفسها ايضا المسرح الاخير لاهم المعارك الحاسمة للدولة العثمانية في فلسطين .فالاتراك العثمانيون عسكروا بجيوشهم عند ضفة النهر وامنوا بان النصر سيكون لهم حليفا.كما اننا نرى ان البريطانيين قاموا باختيار الجهة الغربية منه لتكون جهة الهجوم فحالفهم الحظ وانتصروا على العثمانيين لينتهي الحكم العثماني في فلسطين [25] وكأنها جاءت لتصديق المقولة القديمة بان النصر يكون دوما حليفا لمن يكون في الجهة الغربية من النهر.





[1]كلمة كنعانية معناها " المياه الصفرة" , مصطفى الدباغ , بلادنا فلسطين ,كفر قرع : دار الهدى , 1991, جزء 1, القسم الاول ,  ص 30 .يبدو بسبب احتواء النهر على مواد كبريتية .
[2]تأنيث لكلمة الاعوج بسبب اعوجاج النهر في عدة مواضع
[3]الدباغ-بلادنا فلسطين, جزء 1, القسم الاول , ص,  ص 30
[4]الدباغ-بلادنا فلسطين, جزء 1, القسم الاول , ص 31
[5]من الاسماء الاخرى , نابلس وهو تحريف لكلمة نيئوبوليس التي تعني المدينة الجديدة , وطبرية وهي تحريف لاسم الامبراطور الروماني طبارينوس قيصر .
[6]اصله من يهود اليمن .عاش في زمن عمربن الخطاب .اسلم بعد وفاة النبي محمد .يعتبر من ابرز الذين يحدثون الإسرائيليات .الذهبي-سير اعلام النبلاء , جزء 3, ص 489
[7]نعيم بن حماد , الفتن , القاهرة: مكتبة التوحيد , 1412 ه , ص 253
[8]هوابن عم الفقيه عبد الرحمن الاوزاعي مؤسس المذهب الاوزاعي في سوريا  .اصله من قبيلة شيبان التي تتبع الى سلالة حمير في اليمن .المزي-تهذيب الكمال , جزء 31 , ص 480
[9]سورة الكهف , اية 33
[10]شهاب الدين الالوسي, روح المعاني في تفسير القران العظيم والسبع المثاني, بيروت : دار الكتب العلمية, 1415 ھ,  ج 15 ص 274, جلال الدين السيوطي , الدر المنثور بالتفسير بالمأثور, بيروت : دار الفكر,  ج 5 , ص 390
[11]نعيم بن حماد-الفتن, جزء 2, ص 563
[12] نعيم بن حماد-الفتن, جزء 2, ص 541
[13] نعيم بن حماد-الفتن, جزء 2, ص 560
[14] الذهبي –ج8 ص 230, الطبري ج 7 ص 440, ابن الاثير ج 5 ص 24
[15]محمد المرتضى الزبيدي, تاج العروس,القاهرة : دار الهداية ,  جزء 16, ص 337
[16]المرتضى الزبيدي-تاج العروس, جزء 16, ص 336
[17]من هذه القصص , قصة نزول الملاك فطرس ليبشر بولادة الحسين بن علي بن ابي طالب .محمد بن الحسن الصفار , بصائر الدرجات, طهران : مطبعة الاحمدي, 1404ه ,جزء 2,  ص88
[18]عفيف النابلسي, الامام علي الرضا عرض وتحليل , مركز الابحاث العقائدية(للشيعة في العراق), http://www.aqaed.com/ahlulbait/books/i-reza-derase/16.htm
[19]ابن الاثير-التاريخ, ج 6 , ص 433
[20]الحسن بن احمد المهلبي العزيزي, كتاب العزيزي(المسالك والممالك), ص 21
[21]المهلبي-كتاب العزيزي, ص 21
[22]بهاء الدين ابن شداد , النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية, القاهرة : مكتبة الخانجي, 1994,  ص 277
[23]احمد بن علي القلقشندي, صبح الاعشى في صناعة الانشاء, بيروت : دار الكتب العلمية, جزء 4, ص 85
[24]عبد الغني-الرحلة , ص 411
[25]موقع يديعوت احرونوت في الانترنت , http://www.ynet.co.il/articles/0,7340,L-4329844,00.html

אין תגובות:

הוסף רשומת תגובה