יום ראשון, 9 ביוני 2013

أهمية عين سلوان في القدس في التراث الإسلامي
د.اشرف طلال أبو زرقة


تعتبر عين سلوان الموجودة في القدس احدى اهم العيون والمعالم المقدسية التي تم إهمالها في عصرنا الحديث, وذلك بالرغم من أهميتها التاريخية والدينية للمسلمين .فالعين  كانت من أعظم العيون شهرة بالعالم الإسلامي .نجد ان ماءها كان يقارن مع ماء زمزم بمكة لجودته وصفائه وكونه وصفة طبية للعلاج من الأمراض .في هذا المقال سأتحدث عن اهم مفاهيم المسلمين التي كانت سائدة نحو هذه العين خلال الفترات الاسلامية المتنوعة, وكيف تغيرت هذه المفاهيم وفق اعراف وعادات الناس التي تغيرت وفق الزمان والمكان .
يبدو ان اهتمام المسلمين بهذه العين بدأ بفترة مبكرة جدا في التاريخ الاسلامي وخصوصا في الفترة الاموية . ففي هذه الفترة اهتم الامويون بالقدس وابرزوا معالمها الدينية والسياسية . وبسبب كون عين سلوان من مصادر المياه الاساسية لمنطقة المسجد الاقصى ودار الامارة فانه كان اهتمام بهذه العين للشرب وحتى لسقاية البساتين التي كانت حولها . كما انه بسبب اهمية هذه العين فطن الكثير من المفسرين والمؤرخين المسلمين الى ضرورة توثيق هذه العين بالذاكرة الاسلامية والانسانية .لم يقتصر عمل هؤلاء المؤرخين فقط على ابراز اهمية هذه العين بالتراث الاسلامي , بل وصل بهم الامر الى توثيق ماضيها القديم سالكين سبل المنهج العلمي الدقيق , وكشف العادات والقوانين القديمة التي كانت سائدة في فلسطين في العصور القديمة حول هذه العين  . من ابرزها كان التحكيم المحني وهو التحكيم الذي سعى الى اثبات التهمة او اثبات البراءة من خلال الماء او النار.فمثلا كان شائعا عند بعض الشعوب الاوروبية , تغطيس المتهم بماء , فان طفا المتهم فيعتبر علامة على انه شخص مذنب وذلك للايمان الذي كان شائعا بان الماء الطاهر لا يقبل الا الطاهرين[1] .  بشكل ملفت للنظر نجد ان هذا التحكيم قد شاع ايضا في فلسطين وفي عين سلوان على وجه الخصوص , وهذا ما يدل على تقديس هذه العين من قبل الفلسطينيين منذ اقدم العصور . بعض هذه الروايات القديمة تم الحفاظ عليها من قبل المؤرخين المسلمين واصبحت جزءا لا يتجزء من التراث الإسلامي . فقد رأى الفقيه والمفسر الاموي سعيد بن عبد العزيز (709-783) [2] ان هذا التحكيم كان موجودا بالعصور القديمة واستمر في عصر سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام وأمه مريم . ويسرد لنا رواية عن هذا التحكيم وعلاقته بسيدتنا مريم وفي هذا يقول:

" كان في زمان بني إسرائيل في بيت المقدس عند عين سلوان عين
    فكانت المرأة إذا قاذفت(تم اتهامها بالزنا) أتوا بها فشربت منها ,
فان كانت بريئة لم يضرها ,وان كانت نطفة(مذنبة) ماتت فلما حبلت
مريم حملوها فشربت منها فلم تزدد إلا خيرا فدعت الله إن
لا يفضح بها امرأة مؤمنة ففارت العين"[3] .

ففي هذه الرواية يتضح لنا مفهومان اثنان تجاه هذه العين . المفهوم الاول هو قدسية هذه العين عند سكان المكان منذ زمان بعيد وارتباطها بالتحكيم المحني. اما المفهوم الثاني فهو ارتباط هذه العين بشخصيات دينية معتبرة عند ابناء الديانات السماوية الثلاث .فذكر بني اسرائيل يذكرنا بقوم موسى وذكر مريم يذكرنا بقوم عيسى وذكر القومين معا يذكرنا بالديانة  الاسلامية . ففي هذا الزمن اعتبرت قداسة هذه العين عند ابناء الديانات الإبراهيمية الثلاث واتى المفهوم الاسلامي ليدمج المفاهيم الإبراهيمية معا , وهذا ما ميز الفترة الاموية التي شاع فيها هذا المفهوم المتسامح تجاه عين سلوان .
يبدو ان هذا المفهوم بدأ بالتغير بالفترة العباسية وخصوصا مع اشتداد التيارات الدينية التي حاولت ربط عين سلوان بالروايات الاسلامية المتعلقة بمكة المكرمة وابعادها عن التراث الموحد للديانات السماوية الثلاث وذلك بالرغم من دراية العديد من المسلمين بهذا العصر بغرض هذه الروايات الهادف الى اعلاء مكانة عين سلوان .فنجد مثلا المحدث العباسي عبد الوهاب بن الضحاك(توفي سنة 859)[4], انه نقل قولا لإسماعيل بن عياش(726-797) الذي عرف باسم محدث الشام[5] بان زمزم من الجنة وعين سلوان من الجنة[6].فمجرد المقارنة مع زمزم  يوحي لنا مدى المكانة التي وصلت اليها هذه العين بالتراث الاسلامي وكم كانت هناك محاولة لابراز هذه القدسية وابراز عين سلوان كمزار ومعلم أساسي للسياح والمصلين وللمسلمين في كافة انحاء المعمورة . وقد ساهمت هذه الروايات بشان عين سلوان خصوصا مع تحرير القدس سنة 1187 ورغبة الدولة الاسلامية وفقهاء المسلمين في ترغيب المسلمين بزيارة القدس وضواحيها ومعالمها وخصوصا عين سلوان, حيث تم إبرازها كمعلم سياحي وديني في آن واحد .هذه النظرة كانت موجودة ايضا حتى عند فقهاء المذهب الحنبلي الذي عرف عنه باعتماده على الحديث . فنجد  الفقيه الحنبلي عبد الرحمن بن علي ابن الجوزي(1116-1201)[7] ,يرى  إن عين سلوان , هي من المواقع المقدسة التي يستحب زيارتها ويستحب السباحة فيها لما جاء في الحديث أنها من الجنة [8].
اما في فترة متأخرة أكثر وخصوصا مع اشتداد الحركات الصوفية في الفترة العثمانية فإننا نجد انه ترسخ كثير من الاعتقادات التي أعطت لعين سلوان الكثير من القداسة والهالة ولم تعطها فقط مكانة مساوية لماء زمزم , بل اعطتها قداسة خاصة ترتبط باوقات الصلاة والاتصال مع فاطر السموات والارض .فالمفهوم الجديد هنا ان العين لا تجري الا عند اوقات الصلاة وتنحبس هذه العين عند انقضاء هذه الاوقات. هذا ما نجده عند الرحالة والسفير المغربي من قبل سلطان المغرب ابن عثمان المكناسي[9] الذي زار القدس سنة  1788[10], حيث قال : 
" ان عين سلوان لا تجري غالبا إلا عند أوقات الصلاة
وتحبس فيما عدا ذالك .ونحن عندما وصلنا إليها وجدنا ماءها منحبسا ,
وعند  وصولنا  خرج ماؤها وجرى على وجه الأرض في مصاريفه فشربنا منه
فاذا ماؤها أشبه شيء بماء زمزم وهذا عند أهل البلد معروف
وقد اخبرونا قبل رؤيتنا له فلما شربناه وجدناه كما قيل"[11].
يبدو ان هذا المفهوم الجديد اتى بعد نقصان تدفق العين نتيجة مواسم الجفاف وشح الامطار واتى ليعطي لنا تفسيرا مقدسيا دينيا كان شائعا في هذه الفترة بخصوص هذا الشح . من هنا نرى انه حتى في مواسم الجفاف سعى المقدسيون الى اعطاء الصبغة الدينية لعينهم المشهورة وجعلها جزءا من روايات التراث الإسلامي العالمي.



[1] عطا الله قبطي , العصور الوسطى الاوروبية والحملات الصليبية , الناصرة , 1986, ص 22
[2] لقب باسم مفتي دمشق .انتمى الى قبيلة تنوخ ونشا في مدينة دمشق . محمد بن احمد الذهبي-سير إعلام النبلاء , بيروت : مؤسسة الرسالة , 1983, , جزء 8, ص 32 (الذهبي-سير اعلام النبلاء) .هناك من اعتبره كمنشا لمذهب فقهي مستقل في سوريا الذي نافس الاوزاعي ومالك بن انس . الذهبي-سير اعلام النبلاء , جزء 8, ص 34 عرف عنه بتاييده للحكم الاموي حيث نقل العديد من الاحاديث التي اعطت الشرعية للخلفاء الامويون وصورتهم كخلفاء مهديين .الذهبي-سير اعلام النبلاء , جزء 8, ص 37
[3] عبد الرحمن ابن الجوزي , فضائل القدس, بيروت : دار الافاق الجديدة , 1980, ص 98,(ابن الجوزي-فضائل القدس), المشرف بن المرجى المقدسي , فضائل بيت المقدس والخليل وفضائل الشام , شفاعمرو: مطبعة المشرق , 1995, ص 250 ,(المشرف بن المرجى-فضائل بيت المقدس)
[4] محدث اصله من مدينة السلمية في نواحي حمص ., جزء 18 , جمال الدين ابي الحجاج يوسف المزي  ,تهذيب الكمال في اسماء الرجال ,بيروت : مؤسسة الرسالة, 1987,  ص 494 (المزي-تهذيب الكمال)
[5] الذهبي-سير اعلام النبلاء , جزء 8, ص 327
[6] المشرف بن المرجى-فضائل بيت المقدس , ص 249
[7] فقيه ومفسر ومؤرخ حنبلي عاش في بغداد .كحالة –معجم المؤلفين , جزء 5, ص 157.ربطته علاقات وثيقة مع السلاطين الذين حاولوا استعادة اراضي الشام من الصليبيين وخصوصا نور الدين زنكي. ابن الجوزي-فضائل القدس, ص 35-36
[8] ابن الجوزي-فضائل القدس, ص 97-98
[9] كان ابيه من ابرز الفقهاء المالكيين في مدينة مكناس في المغرب في هذا العصر. ابن عثمان , رحلة ابن عثمان , عبد الهادي التازي (محقق), القدس والخليل في الرحلات المغربية , منشورات المنظمة الاسلامية للتربية والعلوم الثقافية , 1997 , ص 25 (ابن عثمان-رحلة ابن عثمان )
[10] ابن عثمان-رحلة ابن عثمان , ص 25

[11] ابن عثمان-رحلة ابن عثمان , ص 65

אין תגובות:

הוסף רשומת תגובה